كِتَابُ الصِّيَامِ هُوَ لُغَةً الْإِمْسَاكُ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةٌ عَنْ مَرْيَمَ { إنِّي نَذَرْت لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا } أَيْ إمْسَاكًا وَسُكُوتًا عَنْ الْكَلَامِ .
وَشَرْعًا : إمْسَاكُ مُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ ، سَالِمٍ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْوِلَادَةِ فِي جَمِيعِهِ ، وَمِنْ الْإِغْمَاءِ وَالسُّكْرِ فِي بَعْضِهِ .
وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ مَعَ مَا يَأْتِي آيَةُ { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ } وَالْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ شَهْرِ رَمَضَانَ وَجَمَعَهَا جَمْعَ قِلَّةٍ لِيُهَوِّنَهَا ، وَقَوْلُهُ { كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ } قِيلَ مَا مِنْ أُمَّةٍ إلَّا وَقَدْ فُرِضَ عَلَيْهِمْ رَمَضَانُ إلَّا أَنَّهُمْ ضَلُّوا عَنْهُ أَوْ التَّشْبِيهُ فِي أَصْلِ الصَّوْمِ دُونَ وَقْتِهِ .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ : رَمَضَانُ أَفْضَلُ الْأَشْهُرِ لِحَدِيثِ { رَمَضَانُ سَيِّدُ الشُّهُورِ } وَخَبَرِ { بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ } وَفُرِضَ فِي شَعْبَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ .
الشَّرْحُ
( وَإِذَا رُئِيَ بِبَلَدٍ لَزِمَ حُكْمُهُ الْبَلَدَ الْقَرِيبَ ) مِنْهُ قَطْعًا كَبَغْدَادَ وَالْكُوفَةِ لِأَنَّهُمَا كَبَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا فِي حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ( دُونَ الْبَعِيدِ فِي الْأَصَحِّ ) كَالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ ، وَالثَّانِي يَلْزَمُ فِي الْبَعِيدِ أَيْضًا ( وَالْبَعِيدُ مَسَافَةَ الْقَصْرِ ) وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِتَعْلِيقِ الشَّرْعِ بِهَا كَثِيرًا مِنْ الْأَحْكَامِ ( وَقِيلَ ) الْبَعِيدُ ( بِاخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ .
قُلْت : هَذَا أَصَحُّ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ) إذْ أَمْرُ الْهِلَالِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ ، وَلِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ { كُرَيْبٌ قَالَ رَأَيْت الْهِلَالَ بِالشَّامِ ، ثُمَّ قَدِمْت الْمَدِينَةَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَتَى رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ ؟ قُلْت : لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ، قَالَ : أَنْتَ رَأَيْته ؟ قُلْت : نَعَمْ ، وَرَآهُ النَّاسُ وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ ، فَقَالَ لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ الْعِدَّةَ ، فَقُلْت : أَوَلَا نَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ ؟ قَالَ : لَا هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَقِيَاسًا عَلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَالشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا وَلِأَنَّ الْمَنَاظِرَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ وَالْمَعْرُوضِ فَكَانَ اعْتِبَارُهَا أَوْلَى ، وَلَا نَظَرَ إلَى أَنَّ اعْتِبَارَ الْمَطَالِعِ يُحْوِجُ إلَى حِسَابِ وَتَحْكِيمِ الْمُنَجِّمِينَ مَعَ عَدَمِ اعْتِبَارِ قَوْلِهِمْ كَمَا مَرَّ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ اعْتِبَارِهِ فِي الْأُصُولِ وَالْأُمُورِ الْعَامَّةِ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ فِي التَّوَابِعِ وَالْأُمُورِ الْخَاصَّةِ ، وَلَوْ شُكَّ فِي اتِّفَاقِهَا فَهُوَ كَاخْتِلَافِهَا ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِهِ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ بِالرُّؤْيَةِ وَلَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ لِعَدَمِ ثُبُوتِ قُرْبِهِمْ مِنْ بَلَدِ الرُّؤْيَةِ .
نَعَمْ لَوْ بَانَ الِاتِّفَاقُ لَزِمَهُمْ الْقَضَاءُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ ، وَقَدْ نَبَّهَ التَّاجُ التَّبْرِيزِيُّ عَلَى أَنَّ اخْتِلَافَ الْمَطَالِعِ لَا يُمْكِنُ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ
Tidak ada komentar:
Posting Komentar